الغزالي

101

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

الباب الثالث في بيان معنى السلوك والتصوف اعلم : أن السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف . وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن ، والعبد في جميع ذلك مشغول عن ربه إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول . والذي يفسد على السالك سلوكه شيئان : اتباع الرخص بالتأويلات ، والاقتداء بأهل الغلط من متبعي الشهوات . ومن ضيع حكم وقته فهو جاهل ، ومن قصر فيه فهو غافل ، ومن أهمله فهو عاجز . لا تصح إرادة المريد حتى يكون اللّه ورسوله وسواس قلبه ، ويكون نهاره صائما ولسانه صامتا . لأن كثرة الطعام والكلام والمنام تقصي القلب . وظهره راكعا وجبهته ساجدة وعينه دامعة وغامضة ، وقلبه حزينا ولسانه ذاكرا . وبالجملة : قد شغل كل عضو فيه ومعنى فيه بوظيفة ندبه اللّه ورسوله إليها وترك ما كره اللّه ورسوله له . وللورع معانقا ولأهوائه تاركا مطلقا ورائيا جميع ما وفقه اللّه تعالى له من فضل اللّه عليه ، ويجتهد أن يكون ذلك كله احتسابا لا ثوابا ، وعبادة لا عادة ، لأنه من لاحظ المعمول له اشتغل به عن رؤية الأعمال ونفسه تاركة للشهوات ، فصحة الإرادة ترك الاختيار والسكون إلى مجاري الأقدار كما قيل : أريد وصاله ويريد هجري * فأترك ما أريد لما يريد وافن عن الخلق بحكم اللّه وعن هواك بأمر اللّه ، وعن إرادتك بفعل اللّه ، فحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم اللّه فعلامة فنائك عن الخلق انقطاعك عنهم وعن التردد إليهم والإياس عما في أيديهم ، وعلامة فنائك عنك وعن هواك ترك التكسب ، والتعلق بالسبب في جلب النفع ودفع الضر فلا تتحرك فيك بك ، ولا تعتمد عليك لك ، ولا تذب عنك ولا تضر نفسك ، لكن تكل ذلك كله إلى من تولاه أولا ليتولاه آخرا ، كما كان ذلك موكلا اليه في حال كونك مغيبا في الرحم ، وكونك رضيعا في مهدك ، وعلامة فنائك عن إرادتك بفعل اللّه أن لا تريد مرادا قط لأنك لا تريد مع إرادة اللّه سواها ، بل يجري فعله فيك فتكون أنت إرادة اللّه وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان ، مشروح الصدر ، منور الوجه ، عامر الباطن ، تقلبك القدرة ويدعوك لسان الأزل ، ويعلمك رب الملك ، ويكسوك من نور الحلل ، وينزلك منازل من سلف من أولي العلم . فصل في لزوم العزلة على السالك أن يلزم العزلة ليستظهر بها على أعدائه . وهي نوعان : فريضة وفضيلة .